أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
158
العقد الفريد
ربقة الذل من أعناقكم ، وبنا فتح وبنا فتح وبنا يختم . وخطبة له أيضا : حمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أوصيكم عباد اللّه ونفسي بتقوى اللّه ولزوم طاعته وتقديم العمل ، وترك الأمل ؛ فإنه من فرّط في عمله لم ينتفع بشيء من أمله ، أين التّعب بالليل والنهار ، المقتحم للجج البحار ومفاوز القفار ، يسير من وراء الجبال وعالج الرمال « 1 » ، يصل الغدو بالرواح ، والمساء بالصباح ، في طلب محقرات الأرباح ؛ هجمت عليه منيته ، فعظمت بنفسه رزيته ؛ فصار ما جمع بورا ، وما اكتسب غرورا ، ووافى القيامة محسورا : أيها اللاهي الغارّ بنفسه ، كأني بك وقد أتاك رسول ربك ، لا يقرع لك بابا ، ولا يهاب لك حجابا ، ولا يقبل منك بديلا ، ولا يأخذ منك كفيلا ، ولا يرجم لك صغيرا ، ولا يوقر فيك كبيرا ، حتى يؤديك إلى قعر مظلمة ، أرجاؤها موحشة ، كفعله بالأمم الخالية والقرون الماضية ! أين من سعى واجتهد ؛ وجمع وعدّد ، وبنى وشيّد ؛ وزخرف ونجّد ، وبالقليل لم يقنع ، وبالكثير لم يمتع ؟ أين من قاد الجنود ، ونشر البنود ؟ أضحوا رفاتا ! تحت الثرى أمواتا ، وأنتم بكأسهم شاربون ، ولسبيلهم سالكون . عباد اللّه ! فاتقوا اللّه وراقبوه ، واعملوا لليوم الذي تسير فيه الجبال ، وتشقّق السماء بالغمام ، وتطاير الكتب عن الأيمان والشمائل ؛ فأي رجل يومئذ تراك ؟ أقائل هاؤم اقرءوا كتابيه ! أم : يا ليتني لم أوت كتابيه ! نسأل من وعدنا بإقامة الشرائع جنته أن يقينا سخطه ؛ إنّ أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . وخطبة له أيضا :
--> ( 1 ) عالج الرمال : ما تراكم منها ودخل بعضه في بعض .